السيد محمد تقي المدرسي

60

من هدى القرآن

فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وهو المطر حالة تكونه وخروجه ، من بين ثنايا السحاب وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فالسحب في الفضاء كما الجبال في الأرض ، من حيث ضخامة كتلتها وتفاوت ارتفاعاتها ، ويمكن للإنسان الاطلاع على هذه الحقيقة عندما يطير مسافرا من بلد لآخر فوق الغمام . ولعل في الآية إشارة إلى حقيقة يذكرها العلماء : إن طريقة تكون ( البرد ) هي أن قطرة من الماء تنزل من السحاب ، ثم تمر بطبقة باردة فتتجمد ، ثم تحمله الرياح الشديدة إلى الأعلى من جديد . وتتقلب بين جبال السحب ، كلما مرت سحابة حملت قدرا أكبر من الماء ، فنزلت فحملتها الرياح - مرة أخرى - إلى الأعلى حتى تثقل وتهبط إلى الأرض . وقد تنزل حبات البرد بحجم البيضة . فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ من عباده ، وعموم خلقه ، إذن فليس ذلك بالصدفة . يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ لشدة الوميض الخاطف الصادر عن تفريغ شحنات كهربائية هائلة بين السحاب . . وهكذا فإننا نجد في هذه الظاهرة الطبيعية بشارة خير بنزول رحمة الله ( المطر ) ، وإنذارا صارما بعقاب الله الذي لو نزل فإنه لا يبقي ولا يذر ولأفنى الأحياء . بين الإيمان والعلم [ 44 ] يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ الله سبحانه هو الذي بيده الليل والنهار يقلبهما بقدرته ، وهذه عبرة لأصحاب البصائر النافذة ، والعقول النيرة . ألم يقل الله : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ وألم يقل عن الكفار : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ! [ النور : 40 ] . وهذا يعني أن من لا يملك الإيمان لا يفهم سر الحياة ، كما لا يدرك التحولات والتقلبات الاجتماعية ، ولا يفهم أن الله هو الذي يقلب الليل والنهار إلا أولو الأبصار ، الذين يمتلكون البصر الحقيقي النابع من الإيمان ، وهذا يدل على أن معرفة الله بداية كل معرفة ، وأن الكفر بالله انحراف يستدرج الإنسان إلى كل انحراف .